5.3.05

عن جهاد بزّي

جهاد بزّي هو من كتب المقال التّالي في صحيفة السّفير. قراءته دائماً متعة بحدّ ذاتها بالنّسبة إليّ. ولكم حريّة القرار:

أضع ساعدي على السياج الحديدي للضريح. أنظر إلى الأرض المليئة بالشمع الذائب. انظر إلى ضريح الورد وصور رفيق الحريري. انظر إلى إكليل الورد العملاق عليه شجرة عائلته برمتها. أسمع خلفي هتاف الثوار. الواحدة ليلا. انتهى نهار الأحد وبدأ نهار الأثنين. لم يستقل عمر كرامي بعد. سيستقيل بعد 15 ساعة من الآن. أنظر في الضريح. أحاول أن أفهم شيئا مما يمر عليَّ منذ أسبوعين. لا أفهم شيئا. صوت المعارض يهتف في الجموع الثائرة يشعل أطراف أعصابي. لو أنه يسكت قليلا. لو أنه يدعني أفكر قليلا. كل هذا التعب. منذ أسبوعين وأنا متعب. مذ سمعت ذاك الانفجار. المعارض يصرخ سعيداً بأنه يحرر لبنان لكن صوته مزعج وهتاف الناس من حوله مزعج. لبنان جديد يولد هنا. كيف يولد لبنان على أنقاض انفجار؟ الحرية. السيادة. الاستقلال. الصليب يعانق الهلال. الشهيد رينيه معوض. الشهيد بشير الجميل. الشهيد حسن خالد. الشهيد رفيق الحريري. الشهيد داني شمعون. هناك شهداء آخرون منسيون. على امتداد تاريخنا هناك شهداء. هناك رجل قنص عابر سبيل بطلقة في رأسه فأرداه فصار عابر السبيل شهيدا. ثم اخترقت طلقة قلب القناص فصار شهيدا. شهيدان. ضحيتان. ننسى من نريد ونتذكر من نريد. <<طال انتظارك ما عودتنا سفراً>>، أغنية مارسيل خليفة الحزينة عن كمال جنبلاط تختلط بأغنية راقصة عن <<الأم تي في>>. علم لبنان فقط في ساحة <<الحرية>>. عناق آخر بين صليب وهلال. أميركا وسوريا وإسرائيل والعراق ولجنة التحقيق الدولية وإميل لحود وعدنان عضوم ورستم غزالة ووليد جنبلاط. الحرب الأهلية. الحرية. الانتداب الفرنسي الجديد. حزب الله. كل هذه الحشود. كل هذه الحشود. جلسة مناقشة الحكومة غداً صباحاً. وسط بيروت مغلق عن بكرة أبيه. عسكر. فجر لبنان الجديد. حرب جديدة. أنظر إلى الضريح. من أين يأتي كل هذا الإرهاق يا ترى؟

حرب جديدة. لا يقول لي الضريح شيئا. أغادر. أمشي بالقرب من جدار عليه آلاف الكلمات. أقرأ منها كلمتين كتبتا بخط كبير: إلى متى؟. هل يفترض بي أن أجيب على السؤال؟ أم عليَّ أن أسأل بدوري. هو سؤال تافه أصلا وموجه إلى لا أحد. لا أعرف إلى متى. أعرف أنني لم أمر قبلاً بالأيام التي مررت بها سابقاً. لم يكن في حياتي أيام بطولها. كنت أظن أن تكرار أحداث اليوم نفسه يجعله يبدو طويلاً. كنت أظن أن الروتين لا يمر. لكن لا. العكس هو الصحيح. الأيام المكثفة لا تمر. أنام وأفيق على المشهد نفسه. على الاغتيال وعلى تبعات الاغتيال. بأي ذنب يُقتل رفيق الحريري؟ وما ذنبه إذ يُقتل؟ لا ذنب له. لكني ما عدت أفهم كل الذي يحدث بعد رحيله. كل واحد فينا لديه ما يقوله حول رحيله. كل واحد فينا لديه فكرة. لديه فعل ندامة أو لديه رثاء أو تفجع. هناك من يكتب قصائد في الرجل. هناك من يحمل لواءه وهناك من يتهم حامل اللواء باستغلال المأساة. حتى هذا الكلام ليس خارج السياق. هذا كلام من عبارات تأتي إلى الذهن فتكتب. يمكنني أن أكمل فيها ليعود من المستحيل لهذا النص أن ينتهي. يصير النص متاهة. متاهة. ربما هذه هي الكلمة المناسبة لما أعيشه منذ الرابع عشر من شباط. ربما هذا هو ما يعيشه لبنان منذ الرابع عشر من شباط. نحن نعيش في متاهة. الأصدقاء المسافرون يكادون يحسدوننا لأننا نعيش في قلب هذا الحدث. هل هو حدث فعلا؟ وهل نملك ترف أن نشعر الآن بمتعة أننا نعيش في الحدث؟ لا. لا متعة حين ترى دماراً في مكان تعرفه. لا متعة حين ترى بكاءً عند ضريح. لا متعة حين ترى وسط بيروت على هذه القسوة والفراغ. لا متعة حين تشعر أنك لست قادراً على الوثوق لا بشخص ولا بطرف ولا برئيس ولا بدولة عربية أو أجنبية. لا متعة حين يفزعك ما قد يتورط شعب بلدك فيه وهو يظن، كما ظن سابقاً، أنه يقوم بالأمر الصحيح. لا متعة في التنبؤ. لا متعة في أن تنتبه إلى أن لا التاريخ ينبئك بخير ولا الحاضر. لا متعة في أن تفكر أن التاريخ دار دورته كاملة بسرعة مخيفة وعاد ليحط في انفجار. لا متعة في أن لا تصدق شيئاً مما يدور حولك إلا أن انفجاراً دوى وأخذنا إلى فوضى. لا متعة في أن لا تتذكر من كل ما تراه إلا عبارة قرأتها عن أطفال يركضون في شوارع حرب ما في بلد ما في هذا العالم وكل طفل فيهم يصرخ: أنا خائف. أنا خائف.

أنظر في الضريح. القرآن يُتلى. لا تريحني التلاوة. عاجز عن القراءة وعن مشاهدة التلفزيون. عاجز عن الهروب مما يحدث. النوم ليس مريحاً. بات النوم يشبه استراحة المحارب. أقوم منه على عجل كأنما حدث ما وقع خلال نومي. أقوم لأرتدي هواجسي وأخرج. كل ما يحدث من حولي يشبه النبوءة: الحكاية كبيرة. هل الآتي أعظم؟ لا أريد حتى أن أقول في نفسي هذا الكلام. لا أريد أن أجلب لي فألاً سيئاً. لكنني أشعر به. أتمنى أن يكون خوفي عابراً وحدسي كاذباً. حين أرى الشوارع الثائرة أرى صوراً بيضاء وسوداء عن حرب ماضية لم أقد سيارة فيها ولا حاولت الذهاب إلى مقر عمل تحت دوي القذائف. حين أراهم يتخاطبون في السياسة أعرف كم هم أقل وأكثر بساطة من ان يقودوا بلداً كهذا. انظر إليهم فأرى فيهم ضحايا مثلنا يظنون أنهم في مواقع مسؤولية. وأرى ناسهم فأخاف أكثر. وأرى الدول من حولنا. أرى الضريح. أرى نفسي. لماذا لم أجد هنا، حين ولدت، بلداً مثل السويد مثلاً؟ عند سؤال كهذا أعرف يبدو أنني أغرق في كآبة مرضية. هذا هو اشد الأسئلة تفاهة. هذا أنا، لست قادراً على فهم مشكلتي، أغيب في حوار داخلي من دون صوت واضح. من دون عبارات مفهومة. حوار داخلي من دون أي مضمون. ولست قادراً على أن أخرس أصواتي المتداخلة هذه.

أغادر الضريح. عقيد ينام في سيارة عسكرية. جندي يحدق في شابة تحمل علم لبنان على كتفها وتمشي على الرصيف. أمشي في نصف الشارع بين الضريح وجسر فؤاد شهاب. الشارع خال. خلفي ضريح وثوار وأغنية أنتجها ما كان يعرف باليمين اللبناني وصار هو الثورة. صوت مارسيل خليفة يأتي من أمامي ولا أعرف مصدره. لم أعد أحب أغنياته. تذكرني بالحرب. ولا أملك أي حنين إلى الحرب. أملك حنينا إلى لبنان قبل لحظة من الانفجار. تماما كما كان بكافة علاته. أخاف أنني أحن إلى زمن لن يعود. زمن لم يكن رائعاً لكنه لم يكن كما هو الآن. ليس شارعاً فارغاً مظلماً طويلاً أمشيه ولا ينتهي. <<منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي... في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي... وأنا أمشي وأنا امشي وأنا أمشي...>> على كتفي نعشي؟ أي كلام هذا؟ اي ادعاء؟ من هذا الذي يحمل نعشه على كتفه ويتفاخر؟ ثم من اين يأتي هذا الصوت؟ هل نصب المتظاهرون المضادون أغنياتهم في وجه أغنيات ساحة <<الحرية>>؟ شرقية وغربية؟ حرب؟ مهلاً. ما بالي؟ جننت؟ لو أنني أقول ما أفكر فيه لبدوت كهلاً يحتضر. هذا الشارع. لم يكن طويلاً هكذا فيما مضى. هل كان دائماً مظلماً. لا أعرف. وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي. لست منتصب القامة ولا مرفوع الهامة ولا أريد حتى أن أضطر إلى سماع كلمة <<نعشي>> البشعة هذه فكيف بحملها على كتفي. الطريق لا تنتهي. عليَّ أن أهرب من المكان. تنتهي أغنية النعش. مارسيل خليفة نفسه يغني من جديد: <<إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية. إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية>>. أفرح بالأغنية وأتفاءل بها. أبتسم. ثم أرى أن الأغنية تأتي من فوق جسر فؤاد شهاب الذي يقف عليه متظاهرون آخرون مع إنتفاضة الاستقلال. هناك علم للقوات اللبنانية وعلم لبناني. ليست شرقية وغربية إذاً. الحمد لله...

يا إلهي. ما الذي يحدث لي؟ إلى متى؟...